أقرضت زميلك في العمل خمسة وعشرين ألف ريال، وقال وقتها: «لين تمشي أموري». مرت ثمانية أشهر، وكلما سألته قال إن أموره لم تمشِ بعد. هل تستطيع أن تطالبه الآن؟ وهل كلمة «لين تمشي أموري» موعد أصلًا؟ نظام المعاملات المدنية أجاب عن هذا بنصوص واضحة: إذا لم يُحدَّد للقرض أجل فلك أن تطالبه متى طلبت، ما لم يتضرر من الوفاء فيُمهل المدة المعتادة. وإذا اتُّفق على السداد حين الميسرة، تحدد المحكمة له أجلًا يناسب موارده. والطريق يبدأ برسالة مطالبة مكتوبة، ثم دعوى عبر ناجز إن رفض أو تجاهل.
إذا وصل الأمر إلى التنفيذ، فالساري اليوم نظام التنفيذ الصادر عام 1433هـ. وقد نُشر نظام تنفيذ جديد في 14/11/1447هـ يُعمل به بعد مائة وثمانين يومًا من نشره (المادة 65)، أي قرابة أواخر أكتوبر 2026، وفيه تغييرات تمس السند لأمر وإجراءات التنفيذ.
ما هو القرض في النظام، ومتى يكتمل؟
تعرّف المادة 382 من نظام المعاملات المدنية القرض بأنه عقد يُملّك به المقرض شيئًا مثليًا للمقترض على أن يرد مثله. والمادة 383 تقول إن القرض لا ينعقد إلا بقبض الشيء المقترض. فالورقة التي يوقعها شخص يعدك فيها بإقراضك لا تُنشئ دينًا عليك ما دام المال لم يُسلَّم.
لهذا يحتاج ملفك إلى أمرين: ما يثبت التسليم، وما يثبت أن المال سُلّم قرضًا. إيصال التحويل يثبت أن المبلغ خرج من حسابك، لكنه لا يقول لماذا، وأول ما يسمعه المقرض عادة: «كانت هدية» أو «هذا ثمن بضاعة» أو «دخلت معي شريكًا». وإن سلّمت نقدًا فأنت أحوج إلى شاهد أو رسالة، لأن الكاش لا يترك أثرًا في الحساب. والمادة 384 تشترط أن يكون المقرض كامل الأهلية، ولا تجيز للولي أو الوصي إقراض مال من تحت ولايته أو الاقتراض له إلا وفق النصوص النظامية.
كيف تثبت أن المبلغ قرض، وكيف توثّقه؟
على المدعي إثبات ما يدعيه وللمدعى عليه نفيه (المادة الثانية من نظام الإثبات)، فالعبء عليك أنت. وأقوى الأدلة في العادة:
- ورقة موقعة منه تذكر المبلغ وموعد السداد.
- سند لأمر أو شيك حرره لك مقابل القرض.
- رسائل يعترف فيها بالدين، أو يطلب مهلة، أو يعتذر عن التأخير، أو يرسل دفعة ويقول إنها من القرض.
- وصف التحويل نفسه إذا كتبت فيه كلمة «قرض» وقت التحويل.
- شهود حضروا الاتفاق أو التسليم، في الحدود التي يسمح بها النظام.
المادة 55 من نظام الإثبات تعطي الدليل الرقمي حكم الكتابة، والمادة 54 تذكر من صوره المراسلات ووسائل الاتصال. احتفظ بالمحادثة كاملة على الجهاز الأصلي، لا بصور مقصوصة؛ فرسالة واحدة يقول فيها «أبشر، أرجّع لك فلوسك الشهر الجاي» قد تكون أقوى من عشر صور تحويل.
وإذا زاد القرض على مائة ألف ريال، فالمادة 66 تشترط إثباته بالكتابة، ولا يكفي فيه الشهود وحدهم في الأصل. لكن المادة 68 تقبل الشهادة إذا وُجد مبدأ ثبوت بالكتابة كرسالة منه تجعل القرض قريب الاحتمال، أو مانع مادي أو أدبي من أخذ ورقة، والنص يعد من الموانع الأدبية الزوجية والقرابة والمصاهرة حتى الدرجة الرابعة، أو إذا فقدت الورقة بسبب لا يد لك فيه.
والأسلم من البداية ما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. ورقة قصيرة تكفي إن تضمنت اسم الطرفين وهويتهما، والمبلغ وتاريخ تسليمه وطريقته، وموعد السداد أو جدول الأقساط، وتوقيع المقترض أو رسالة منه تؤكد ذلك.
متى يحق لك المطالبة بالسداد؟
المادة 387 من نظام المعاملات المدنية هي الأهم هنا، وفيها حالتان:
- إذا حُدد للقرض أجل أو غرض، فلا يلزم المقترض بالوفاء قبل انقضاء الأجل، أو قبل مضي المدة المعتادة للانتفاع بالمال في مثل ذلك الغرض.
- إذا لم يُحدد أجل ولا غرض، لزمه الوفاء عند طلب المقرض، إلا إذا كان يتضرر من الوفاء، فلا يلزمه حتى تمضي المدة المعتادة للانتفاع بمثل المال المقترض.
فإذا اتفقتما على تاريخ، فانتظر حلوله؛ والمطالبة قبله لأنك احتجت المال فجأة لا تُقبل. وإن كان السداد أقساطًا، فلكل قسط تاريخ استحقاقه، إلا إذا نص الاتفاق على حلول الباقي عند التأخر. أما عبارة «لين تمشي أموري» فأقرب إلى الوفاء حين الميسرة، والمادة 209 تجعل المحكمة في هذه الحالة تحدد أجلًا يكون مظنة القدرة على الوفاء، مراعية موارد المدين الحالية والمستقبلية، ومتى ثبتت قدرته سقط الأجل. فلا تعني أنك تنتظر إلى الأبد. وثّق تاريخ طلبك الأول للسداد برسالة واضحة، فهو نقطة يُبنى عليها الحساب.
وعند السداد يرد المقترض مثل ما أخذ مقدارًا ونوعًا وصفة، فإن تعذر المثل رد قيمته يوم الاقتراض (المادة 388). ومكان الوفاء مكان القرض ما لم يُتفق على غيره (المادة 389).
أقرضت خمسة وعشرين ألفًا، فردّ لك ثلاث دفعات مجموعها تسعة آلاف، وكتب في وصف أحدها: «دفعة من القرض».
مطالبتك اليوم بستة عشر ألفًا، لا بالخمسة والعشرين كاملة؛ ومن يطالب بالمبلغ كله متجاهلًا الدفعات يفقد مصداقيته أمام القاضي.
وكل دفعة، خاصة التي وُصفت بأنها من القرض، اعتراف بأصل الدين، فاحفظ إيصالاتها ورسائلها.
وإذا اتفقتما بعد ذلك على موعد جديد، فالعبرة في الاستحقاق بالموعد الجديد لا بالأول.
هل يجوز أن تطلب زيادة مقابل التأخير؟
لا. المادة 385 صريحة: يقع باطلًا كل شرط عند العقد أو عند تأجيل الوفاء يتضمن زيادة في رد القرض يؤديها المقترض إلى المقرض. لا يغيّر الحكم أن تسمي الزيادة «رسوم تأخير» أو «تعويضًا» أو «نسبة». وإن أدخلتها في مطالبتك فلن تُحكم لك بها، وقد تشوّش على أصل حقك أمام القاضي.
الفرق كله في الشرط. فإن رد المقترض أكثر مما أخذ من تلقاء نفسه، بلا شرط ولا اتفاق مسبق، فهذا من حسن القضاء، وفي الحديث المتفق عليه: «إن خياركم أحسنكم قضاءً». والبديل المشروع للضغط على المقترض المتأخر هو التوثيق: جدولة مكتوبة، أو ورقة بالرصيد يوقّعها، أو سندات لأمر بالأقساط.
من المطالبة الودية إلى الدعوى والتنفيذ
- طابق الرصيد: كم أعطيت، وكم استلمت، وكم بقي، مع تاريخ كل دفعة.
- أرسل مطالبة مكتوبة بالمبلغ الباقي وموعد للسداد، واحفظ الرد مهما كان.
- إذا طلب مهلة، وثّقا اتفاقًا جديدًا بالرصيد ومواعيد الأقساط، ويفضل بسند لأمر لكل قسط.
- إذا رفض أو تجاهل، ارفع دعوى مطالبة مالية إلكترونيًا عبر ناجز أمام المحكمة المختصة.
- إذا صدر الحكم ولم يسدد طوعًا، تطلب تنفيذه أمام محكمة التنفيذ.
وإذا كان بيدك سند تنفيذي، كشيك أو سند لأمر أو إقرار موثق، فقد تبدأ بطلب التنفيذ مباشرة دون دعوى. أما إيصال التحويل والرسائل فتحتاج إلى حكم أولًا.
ولا تترك الدين سنوات على الوعود. الحق لا يسقط بمرور الزمن، لكن الدعوى لا تُسمع على المنكر بعد عشر سنوات (المادة 295)، وتبدأ المدة من يوم استحقاق الدين (المادة 299)، وتنقطع بإقرار المدين صراحة أو ضمنًا وبالمطالبة القضائية (المادة 302). فكل رسالة اعتراف تصلك اليوم تحمي حقك غدًا.
ماذا يتغير مع نظام التنفيذ الجديد؟
في نظام التنفيذ الحالي (1433هـ) تعد المادة التاسعة من السندات التنفيذية الأوراقَ التجارية، والعقود والمحررات الموثقة، والأوراقَ العادية التي يُقَر باستحقاق محتواها. أما النظام الجديد فلا تذكر مادته السابعة الأوراق العادية المقر بها، وتعد الكمبيالات والسندات لأمر سندات تنفيذية متى كانت مسجلة في المنصات الإلكترونية الوطنية، إلى جانب الشيكات والعقود والإقرارات الموثقة وفق نظام التوثيق واتفاقات التسوية ووثائق الصلح الموثقة. ومن كان بيده سند لأمر ورقي صدر قبل نفاذ النظام الجديد ومستوفٍ لشروطه، فالبند (خامسًا) من المرسوم الملكي (م/237) يبقيه سندًا تنفيذيًا لمدة سنة بعد النفاذ ولو لم يُسجَّل.
وبعد أمر التنفيذ يمهل المدين خمسة أيام عمل، فإن لم يسدد بدأ التنفيذ الجبري فورًا بإشعار جهات المعلومات الائتمانية وحجز أمواله وما يرد إليه مستقبلًا، وللمحكمة فرض غرامة لا تزيد على خمسة آلاف ريال عن كل يوم تأخير (المادة 18). أما المنع من السفر فلا يصدر إلا بطلب منك، لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات قابلة للتمديد إلى ست بحد أقصى (المادة 19).
النتيجة العملية: إذا كنت ستوثّق قرضًا الآن بسند لأمر، فاجعله سندًا إلكترونيًا مسجلًا لا ورقة بخط اليد. أما إيصال التحويل والرسائل فليست سندًا تنفيذيًا في أي من النظامين.
حلول عملية للطرفين
إذا كنت المقرض:
- اجمع إثبات التسليم وكل رسالة يذكر فيها القرض أو يطلب مهلة قبل أن تصعّد.
- أرسل طلب سداد مكتوبًا بالرصيد المتبقي وتاريخ محدد، واحفظ تاريخ الإرسال.
- اعرض جدولة بأقساط بلا أي زيادة، موثقة بسندات لأمر إلكترونية مسجلة أو إقرار موثق.
- افصل القرض عن أي معاملات أخرى بينكما، وحدد سبب كل مبلغ.
- لا تشهّر به في وسائل التواصل، فقد يرتد ذلك عليك؛ وإن رفض فارفع دعوى عبر ناجز مع جدول المبالغ والدفعات، أو اطلب التنفيذ مباشرة إن كان بيدك سند تنفيذي.
وإذا كنت المقترض:
- إن كان للقرض أجل لم يحل بعد، تمسك به في ردك واذكر دليله.
- إن كان الوفاء الآن يضرك، فبيّن ذلك بالمستندات واطلب مدة معقولة كما تتيح المادة 387، واعرض جدولة مكتوبة قبل أن تُرفع الدعوى.
- إن لم يكن المبلغ قرضًا أصلًا، فجهز ما يثبت سببه الحقيقي: بيع أو شراكة أو هبة.
- احتفظ بإيصال كل دفعة، ولا تسدد نقدًا بلا ورقة.
- لا توقّع على مبلغ أكبر مما استلمت، وارفض أي زيادة مشروطة.
إذا كان القرض بلا موعد واضح أو تختلفان على الرصيد، أرسل لنا عبر واتساب ما عندك من تحويلات ورسائل، ونساعدك تحدد متى يحق لك الطلب وكيف تبدأ.
تحتاج رأياً في حالتك بالذات؟
كل قضية لها تفاصيلها. اكتب لنا وضعك باختصار، ونرتب لك جلسة مع محامي يسمع التفاصيل ويقول لك رأيه بوضوح.
أسئلة شائعة
هل التحويل البنكي يثبت القرض؟
يثبت أن المبلغ انتقل، أما أنه قرض واجب الرد فيحتاج إلى أدلة أخرى، مثل رسائل الاعتراف أو طلب المهلة أو وصف التحويل.
أقرضته بدون تحديد موعد، متى أقدر أطالبه؟
عند طلبك في الأصل، بحسب المادة 387 من نظام المعاملات المدنية، إلا إذا كان يتضرر من الوفاء فيُمهل حتى تمضي المدة المعتادة للانتفاع بمثل المال.
هل يجوز أن أشترط مبلغًا إضافيًا إذا تأخر؟
لا. المادة 385 تبطل كل شرط عند العقد أو عند التأجيل يتضمن زيادة في رد القرض، مهما كان اسمها.
أقرضت أكثر من 100 ألف بدون ورقة، هل ضاع حقي؟
ليس بالضرورة. الأصل الكتابة (المادة 66 من نظام الإثبات)، والرسائل الرقمية لها حكمها، والمادة 68 تقبل الشهود إذا وُجد مبدأ ثبوت بالكتابة أو مانع من الكتابة كالقرابة أو فقد للورقة بلا تقصير منك.
هل يقدر يتهرب إذا ما وقّعنا شيء وسلمته المبلغ؟
لا. القرض ينعقد بالقبض وفق المادة 383، والمهم أن تثبت التسليم وأن المال كان قرضًا.
هذا المقال معلومات عامة وليس استشارة قانونية. لكل قضية ظروفها، فراجع محامياً قبل اتخاذ أي قرار. إخلاء المسؤولية