تطالب مقاولًا بأربعين ألف ريال منذ سنة، وهو يقول إن العمل لم يكتمل وإنك لا تستحق إلا نصفها. بعد ثلاث جلسات في المحكمة يعرض عليك ثلاثين ألفًا تُدفع خلال شهرين. العرض معقول، لكن قيمته الحقيقية في الورقة التي ستوقّعانها: متى يُدفع المبلغ، وما الذي تتنازل عنه بالضبط، وماذا يحدث لو لم يدفع.
اتفاق التسوية الذي يُنهي النزاع فعلًا يحدد الحقوق المتصالح عليها برقم العقد أو الدعوى، ومبلغ التسوية ومواعيد دفعه، وما يتنازل عنه كل طرف ومتى يقع التنازل. ثم يُثبت أمام المحكمة، أو في مكتب المصالحة، أو يُوثق لدى كاتب العدل، حتى يصبح سندًا تنفيذيًا لا مجرد ورقة بينكما.
تنفيذ محاضر الصلح منظم اليوم في نظام التنفيذ الصادر عام 1433هـ. ونظام التنفيذ الجديد المنشور في 14/11/1447هـ، الذي يُعمل به بعد 180 يومًا من نشره (قرابة نهاية أكتوبر 2026)، يذكر اتفاقات التسوية ووثائق الصلح الموثقة بين السندات التنفيذية بصياغة مختلفة.
هل الصلح يعني أنني اعترفت بالدين؟
لا بالضرورة. تعرّف المادة 391 من نظام المعاملات المدنية الصلح بأنه عقد يحسم به المتصالحان نزاعًا قائمًا أو يتوقيان نزاعًا محتملًا، بأن ينزل كل منهما على وجه التقابل عن مطالبته أو جزء منها. وتنص المادة 396 على أن الصلح يصح سواء أقر المدعى عليه بالحق أو أنكره أو سكت.
هذا يفتح باب التسوية حتى لو بقي كل طرف مقتنعًا بروايته. المدين يستطيع أن يدفع مبلغًا لينهي النزاع دون أن يقر بكل ما ادعاه خصمه. لكن المبلغ الذي التزم به في الصلح نفسه يصبح التزامًا عليه، ولا تحميه منه عبارة «دون إقرار».
ما الذي يجوز الاتفاق عليه في الصلح؟
المادة 397 تحدد صورًا شائعة في الديون:
- الصلح على بعض ما يدعيه أحد الطرفين في ذمة الآخر، كقبول ثلاثين من أربعين.
- تأجيل الدين أو بعضه دون زيادة.
- تعجيل الدين مع الحط منه، كأن يدفع اليوم أقل مما يستحق بعد ستة أشهر.
لاحظ عبارة «دون زيادة». إذا كان العرض أن تمهله سنة مقابل خمسة آلاف إضافية، فهذا ليس من صور الصلح التي أجازتها المادة. وتجيز المادة 398 أن يتصالح شخصان يدعي كل منهما حقًا عند الآخر على أن يحتفظ كل منهما بما لديه، وهذا مفيد حين تتقابل المطالبات بين شريكين أو مورد وعميل.
وتشترط المادة 392 أن يكون المتصالح أهلًا للتصرف بعوض في الحقوق التي يشملها الصلح، وإذا تضمن إسقاط حق دون مقابل وجب أن يكون من أسقطه كامل الأهلية. وإذا كان الصلح أمام المحكمة عن طريق وكيل، فالمادة 51 من نظام المرافعات الشرعية لا تجيز للوكيل الصلح أو التنازل في غياب موكله إلا إذا كان مفوضًا بذلك تفويضًا خاصًا في الوكالة.
كيف تكتب اتفاق التسوية حتى لا يعود الخلاف؟
- حدد الحقوق محل النزاع بأسمائها: رقم العقد أو الفواتير أو رقم الدعوى.
- اكتب مبلغ التسوية، وعدد الدفعات، وتاريخ كل دفعة، ووسيلة الدفع، والحساب الذي يُحوَّل إليه.
- بيّن ما يتنازل عنه كل طرف، ومتى يقع التنازل: عند التوقيع أم بعد آخر دفعة.
- اذكر ما سبق دفعه حتى لا يدخل كل طرف الاتفاق بحساب مختلف.
- حدد الإجراء المطلوب في الدعوى أو طلب التنفيذ القائم، ومن يقدّمه.
توقيت التنازل أهم مما يبدو. المادة 401 تقرر أن الصلح تنقضي به الحقوق والادعاءات التي نزل عنها كل طرف، ولا يجوز لأي منهما ولا لورثته الرجوع فيه. فإذا كتبت «تنازلت عن باقي المطالبة» يوم التوقيع، ثم لم يدفع المدين، فقد لا تعود الأربعون ألفًا تلقائيًا. أنت عندها تطالب بمبلغ الصلح، لا بالدين الأصلي.
صياغة ضعيفة: «اتفق الطرفان على إنهاء جميع التعاملات بينهما مقابل ثلاثين ألف ريال».
صياغة أدق: «يدفع الطرف الثاني ثلاثين ألف ريال على دفعتين: خمسة عشر ألفًا في 1 نوفمبر وخمسة عشر ألفًا في 1 ديسمبر، بتحويل إلى الحساب رقم كذا، تسوية لعقد المقاولة رقم كذا وحده، ويتنازل الطرف الأول عن باقي مطالبته في هذا العقد بعد استلام الدفعة الأخيرة».
وإذا وقع خلاف لاحق على عبارة عامة، فالمادة 400 تفسر عبارات التنازل في الصلح تفسيرًا ضيقًا في حدود الحقوق التي كانت محل النزاع، والمادة 402 تقصر أثر الصلح على الحقوق التي شملها. لكن الأفضل ألا تحتاج إلى هاتين المادتين أصلًا.
كيف يصبح الصلح قابلًا للتنفيذ؟
الورقة الخاصة الموقعة بينكما عقد ملزم، لكنها ليست بالضرورة سندًا تنفيذيًا تذهب به مباشرة إلى محكمة التنفيذ. نظام التنفيذ الحالي يعد من السندات التنفيذية في مادته التاسعة محاضر الصلح التي تصدرها الجهات المخولة بذلك أو التي تصدق عليها المحاكم، والعقود والمحررات الموثقة. وأمامك عمليًا ثلاثة طرق:
- إثبات الصلح أمام المحكمة التي تنظر الدعوى.
- الصلح عبر مكاتب المصالحة: تنص قواعد العمل فيها (المادة 21) على أن محضر الصلح بعد اعتماده سند تنفيذي، ولا يحق لأحد الأطراف فسخه بعد لزومه إلا بموافقة الجميع أو لمقتضى شرعي أو نظامي.
- توثيق الصلح لدى كاتب العدل، فالمادة 11 من نظام التوثيق تذكر الصلح صراحة بين ما يوثقه، والمادة 41 تجعل الوثيقة سندًا تنفيذيًا.
ماذا يتغير مع نظام التنفيذ الجديد؟
تذكر المادة 7 من النظام الجديد بين السندات التنفيذية «اتفاقات التسوية ووثائق الصلح الموثقة وفقًا لنظام التوثيق، أو التي تصدرها الجهات المخولة بذلك نظامًا». وتضيف المادة 8 أنه إذا كان الحق في وثيقة الصلح معلقًا على تنفيذ التزام لا يُعلم تحققه من الوثيقة نفسها، كأن يُدفع المبلغ بعد إنجاز عمل معين، فيجوز طلب التنفيذ مع تقرير من جهة خبرة تعتمدها وزارة العدل يثبت تنفيذ ذلك الالتزام. فاكتب شروط الصلح بحيث يُعرف تحققها من الوثيقة قدر الإمكان.
حلول عملية للطرفين
إذا كنت الدائن أو صاحب المطالبة:
- اجعل تنازلك عن الباقي معلقًا على استلام آخر دفعة، واكتب ذلك صراحة.
- اطلب إثبات الصلح أمام المحكمة أو عبر مكتب المصالحة أو توثيقه، لا ورقة عادية فقط.
- حدد التواريخ والمبالغ بدقة، ولا تقبل عبارة «حسب الاستطاعة».
- لا تطلب زيادة مقابل المهلة، فالمادة 397 تجيز التأجيل دون زيادة.
وإذا كنت المدين أو المدعى عليه:
- لا تلتزم بمواعيد لا تستطيع الوفاء بها، فمبلغ الصلح يصبح دينًا قابلًا للتنفيذ عليك.
- اطلب أن يحدد الاتفاق أنه ينهي هذا النزاع كاملًا، مع ذكر العقد أو الدعوى بالرقم.
- ادفع بتحويل يذكر أنه من مبلغ الصلح، واحتفظ بكل إيصال.
- إذا كانت هناك دعوى أو طلب تنفيذ قائم، فاتفق في الورقة على من يُنهيه ومتى.
إذا وصلك عرض تسوية أو تفكر في تقديم عرض، أرسل لنا تفاصيل المطالبة والعرض عبر واتساب، ونساعدك في صياغة اتفاق يحمي حقك.
تحتاج رأياً في حالتك بالذات؟
كل قضية لها تفاصيلها. اكتب لنا وضعك باختصار، ونرتب لك جلسة مع محامي يسمع التفاصيل ويقول لك رأيه بوضوح.
أسئلة شائعة
هل الصلح يعني أن المدعى عليه اعترف بالدين؟
لا بالضرورة. الصلح يصح مع الإقرار أو الإنكار أو السكوت (المادة 396 من نظام المعاملات المدنية)، لكن المبلغ الملتزم به في الصلح يصبح واجبًا.
هل أقدر أشترط زيادة مقابل إعطاء المدين مهلة؟
لا. المادة 397 تجيز الصلح على تأجيل الدين أو بعضه دون زيادة.
وقّعت صلحًا وندمت، هل أرجع فيه؟
الأصل لا. تنقضي بالصلح الحقوق التي نزلت عنها، ولا يجوز لك ولا لورثتك الرجوع فيه (المادة 401).
هل محضر مكتب المصالحة يُنفذ مباشرة؟
نعم، بعد اعتماده يكون سندًا تنفيذيًا تُطبق عليه أحكام نظام التنفيذ (المادة 21 من قواعد العمل في مكاتب المصالحة).
هذا المقال معلومات عامة وليس استشارة قانونية. لكل قضية ظروفها، فراجع محامياً قبل اتخاذ أي قرار. إخلاء المسؤولية